القياسمسودة
لماذا لا تعرف شركتك ما الذي يصنع نموها؟
«جئت من الإنترنت» ليست إجابة. عن فجوة القياس التي تجعل الإدارة تصرف على التسويق دون أن تعرف أي ريال عاد وأي ريال ضاع، ومن أين تبدأ في سدّها.
اسأل صاحب شركة سؤالًا بسيطًا: من أين جاء آخر عشرة عملاء؟ في الغالب ستسمع إجابة عامة: «من الإنترنت»، «من المعارف»، «من الإعلانات تقريبًا». هذه ليست مشكلة ذاكرة، بل مشكلة نظام. فالشركة التي لا تعرف مصدر عملائها لا تستطيع أن تقرر أين تضع ريالها التالي، ولا أين توقف الصرف.
في بحث فريق S.S.S عن آلام الشركات بحسب حجمها، ظهرت هذه المشكلة في الأحجام الثلاثة بصيغ مختلفة1. الشركة الصغيرة تقول إنها لا تعرف فعليًا ما الذي يأتي بالمبيعات، والشركة المتوسطة تقول إنها تصرف على التسويق لكنها لا تعرف العائد الحقيقي، والمؤسسة الكبيرة تسأل سؤالًا أصعب: هل أنتجت الحملة طلبًا جديدًا، أم نسبت لنفسها طلبًا كان قائمًا أصلًا؟
العميل يقول «جئت من الإنترنت»، لكن لا يوجد Attribution واضح.
ما الذي نقصده بفجوة القياس؟
يعرّف بحثنا فجوة البيانات والقياس بأنها «ضعف قدرة الشركة على معرفة ما الذي يعمل، وما الذي لا يعمل، وما العائد الحقيقي من أنشطتها التسويقية»1. لاحظ أن التعريف لا يتحدث عن نقص الأرقام. كثير من الشركات لديها أرقام أكثر مما تحتاج: لوحات إعلانات، وتقارير منصات، وجداول مبيعات. المشكلة أن هذه الأرقام لا تجيب عن سؤال الإدارة.
ومن الآلام التي رصدها البحث لدى الشركات المتوسطة: «التقارير كثيرة لكن الإدارة لا تعرف ماذا تفعل بها»، أي لوحات مليئة بالأرقام دون رؤى أو قرارات واضحة1. التقرير الذي لا ينتهي بقرار هو تقرير زائد عن الحاجة، مهما كان أنيقًا.
والوعي بالمشكلة موجود. في مؤشر ماستركارد لثقة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية (فبراير 2025)، أكد 97% من المنشآت المشمولة أهمية تحسين البيانات والتحليلات والرؤى لتقوية أعمالها2. أي أن أصحاب الأعمال لا يحتاجون من يقنعهم بأهمية القياس. ما ينقصهم هو نظام يعمل فعلًا.
أربعة أسباب تتكرر
يرصد البحث أربعة أسباب لهذه الفجوة1. نمرّ عليها كما نراها في الميدان.
الأول: عدم تحديد مؤشرات أداء واضحة. إذا لم تتفق الإدارة والفريق على الرقم الذي يعني «نجحنا هذا الشهر»، فسيختار كل طرف الرقم الذي يناسبه. فريق الإعلانات يعرض النقرات، وفريق المحتوى يعرض المشاهدات، والمبيعات تعرض الصفقات المغلقة. وكل رقم صحيح وحده، لكنها لا تُجمع في صورة واحدة.
الثاني: ضعف إعداد أدوات التتبع والقياس. رابط إعلان بلا وسم يميّزه، ورقم هاتف واحد لكل القنوات، ونموذج تواصل لا يسأل العميل كيف عرف بالشركة. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها هي التي تحدد إن كان بإمكانك لاحقًا أن تعرف أي حملة جاءت بأي عميل.
الثالث: تشتت البيانات بين عدة أنظمة. يصف البحث حال كثير من الشركات المتوسطة هكذا: بيانات العملاء موزعة بين نظام إدارة علاقات العملاء وجداول Excel ونظام تخطيط الموارد وWhatsApp والموقع والمتجر والإعلانات، ولا توجد رؤية موحدة للعميل1. حين يكون العميل الواحد خمسة سجلات في خمسة أنظمة، يصبح حساب تكلفة اكتسابه تخمينًا.
الرابع: التركيز على مؤشرات شكلية بدل المؤشرات التجارية. المتابعون والإعجابات والمشاهدات سهلة القياس ومريحة للعرض، لكنها لا تخبرك كم عميلًا دفع ولا كم كلّفك. خصصنا لهذا السبب مقالًا مستقلًا عن الأرقام التي تستحق المتابعة.
كيف تبدو الفجوة في كل حجم
في الشركة الصغيرة تظهر الفجوة في صورة حيرة يومية: هل نذهب إلى Google أم LinkedIn أم TikTok؟ وحين تنفق على الإعلانات ولا ترى مبيعات، لا تعرف هل المشكلة في القناة أم في الرسالة أم في المتابعة بعد وصول الاستفسار1.
في الشركة المتوسطة تصبح الفجوة سؤالًا عن توزيع الميزانية. القنوات كلها تعمل: البحث المدفوع، والمعارض، والعلاقات، والإحالات، والمحتوى. لكن لا يوجد إسناد واضح يقول أيها يصنع النمو فعلًا1. والنتيجة أن الميزانية تتوزع على الآراء بدل الأرقام.
في المؤسسة الكبيرة يتعقد الإسناد بسبب تعدد نقاط الاتصال قبل الشراء، ويصعب إثبات العائد خصوصًا في العلامة التجارية والرعايات والفعاليات1. وهنا يظهر سؤال الأثر الإضافي: لو لم نطلق الحملة، هل كان العميل سيشتري على أي حال؟
من أين تبدأ؟
لا تحتاج في البداية إلى نظام معقد. تحتاج إلى عادات قليلة ثابتة.
- سجّل مصدر كل عميل من اليوم. اسأل «كيف عرفت عنا؟» عند أول تواصل، بخيارات محددة لا بنص حر، واحفظ الإجابة في مكان واحد.
- افصل القنوات من البداية. رابط موسوم لكل حملة، ونموذج لكل صفحة هبوط. وفي النشاط الذي يعتمد على المكالمات، هناك أدوات تتبع تعطي كل قناة تسويقية رقمًا خاصًا وتكشف أي إعلان أو كلمة بحث أو حملة جاءت بالمكالمة3. نذكرها مثالًا على الفكرة لا توصيةً بأداة بعينها.
- اتفق على رقم واحد يربط التسويق بالإيراد. قد يكون عدد العملاء الجدد أو تكلفة اكتساب العميل. المهم أن يكون رقمًا يراه التسويق والمبيعات والإدارة معًا.
- اجعل المراجعة الشهرية تنتهي بقرار. ماذا نوقف؟ ماذا نضاعف؟ ماذا نختبر الشهر القادم؟
وهناك مؤشر لافت من خارج التسويق. في مسح ماكنزي عن الذكاء الاصطناعي التوليدي في دول الخليج (2024)، أفاد 70% من المؤسسات التي تحقق قيمة منه بوجود نظام لقياس مؤشرات الأداء وتتبعها، مقابل 39% فقط لدى المؤسسات الأخرى4. المسح لا يثبت أن القياس هو سبب القيمة، لكنه يُظهر أن القياس المنتظم أكثر شيوعًا بكثير لدى من يرون العائد.
الخلاصة
فجوة القياس لا تُسد بشراء أداة جديدة. تُسد حين تتفق الشركة على سؤال واحد تريد الإجابة عنه كل شهر: ما الذي جاء بعملائنا، وكم كلّفنا كل واحد منهم؟ وكل رقم لا يساعد في الإجابة عن هذا السؤال يمكن أن ينتظر.
المصادر
- بحث فريق S.S.S، آلام الشركات بحسب الحجم وفجوات التسويق والنمو (بحث داخلي غير منشور)
- ماستركارد، مؤشر ماستركارد لثقة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في السعودية، فبراير 2025 mastercard.com
- CallRail، Call tracking attribution callrail.com
- ماكنزي آند كومباني، The state of gen AI in the Middle East's GCC countries: A 2024 report card mckinsey.com
المقال مسودة للمراجعة. «بحث فريق S.S.S» بحث داخلي غير منشور؛ وكل رقم منشور مربوط بمصدره.